الشريف الرضي

354

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

وتغير شمائلهم فيعطون بها كتبهم ، فيكون ذلك هو المراد بقوله تعالى : ( وأما من أوتي كتابه بشماله . . ) [ 1 ] ، لان الوجه إذا قلب صارت الشمال مكان اليمين واليمين مكان الشمال ، فسمي الشمال باسمها الذي كان لها قبل قلب الوجه ، وإن كانت في تلك الحال بمنزلة اليمين للمرء . 6 - وقال بعضهم : المعنى : نمحو آثار الوجوه ونجعل العيون في الانيئاء فيمشون القهقري ، فهو معنى قوله تعالى ( فنردها على ادبارها ) . 7 - وقال بعضهم : معنى ( أن نطمس وجوها ) أي : نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة والخنازير ، وبيان هذا قوله تعالى : ( من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير . . ) [ 2 ] أي : صيرهم لاشتباه وجوههم بوجوه هذين الجنسين كأنهم منهما ، لا انهم صاروا على الحقيقة قرودا وخنازير . 8 - وقال بعضهم : إنما قال سبحانه : ( آمنوا من قبل أن نطمس وجوها أو نلعنهم ) ، ومعنى ذلك افعلوا الايمان من قبل أن يكون أحد هذين الامرين وقد كان أحدهما ، وهو اللعن . وهذا للفظ - أعني اللعن - وإن كان أصله في اللغة الطرد والابعاد ، فإنها [ 3 ] من الأسماء المنقولة عن أصولها في الشريعة ، فقد صارت الآن اسما لمجموع أشياء منها العقوبة والإهانة والخذلان والبراءة ، فيكون المستحق للعن مخصوصا بذلك في حياته ثم يتبعه لسان الذم بعد وفاته .

--> ( 1 ) الحاقة : 25 . ( 2 ) المائدة : 60 . ( 3 ) هكذا في النسخ والصواب : ( فإنه ) .